هل نصنع عذابنا بأنفسنا
هل سمعت من قبل لفظا اسمه (الصاخة)؟! انه لفظ يكاد يخرق طبلة الاذن , لأن الله علم ان الواحد منا فى هذه الدنيا تتخطفه الشهوات وتبرق فى عينيه المطامع فهو لا يعقل وهو أصم لا يسمع . فهتف فى اذنه بهذه...
هل سمعت من قبل لفظا اسمه (الصاخة)؟!
انه لفظ يكاد يخرق طبلة الاذن , لأن الله علم ان الواحد منا فى هذه الدنيا تتخطفه الشهوات وتبرق فى عينيه المطامع فهو لا يعقل وهو أصم لا يسمع .
فهتف فى اذنه بهذه الكلمة .. التى تكاد تخرق السمع من فرط ارتفاع ذبذبتها ليوقظه :

فعل هذا رحمة ولطفا وحنانا .. تعالى الله عن ان يعذبنا شهوة فى عذاب .
وما العذاب الا لزوم ما يلزم وحلول الصفة بموصوفها وانتظام الارواح فى سلم درجاتها الحق وانسدال الستار على هذا العالم الذى يتبارى فيه الناس على نوال مالا يستحقون .
ونعطى مثلا لهذا التفاوت فى الرتب فيما يشعر به كل منا فى حياته الخاصة .. من تفاوت المستويات التى يمكن ان يعيش فيها .. لا نقصد مستويات الدخل .. وانما نقصد شيئا اعمق .. نقصد المستويات الوجودية ذاتها .
فالواحد منا يمكن ان يعيش على مستوى متطلبات جسده كل همه ان ياكل و يشرب ويضاجع كالبهيمه , ويمكن ان يسكت ذلك السعار الجسدى ليستسلم لسعار اخر هو سعار النفس بين غيرة و حسد وغضب وشماتة ورغبة فى السيطرة و جوع للظهور وتعطش للشهرة و استئثار لاسباب القوة بتكديس الاموال و الممتلكات وتربص لاصطياد المناصب , واكثر الناس لا يرتفعون عن هذه الدرجة ويموتون عليها ولا يكون العقل عندهم الا وسيلة احتيال لبلوغ هذه الاسباب .
والحياة بالنسبة لهذه الكثرة من الناس غابة و الشعور الطبيعى هو العدوان وتنازع البقاء و الصراع .. والهدف هو التهام كل ما يمكن التهامه وانتهاز ما يمكن انتهازه .. و الواحد منهم تجده يتأرجح كالبندول من لهيب رغبة الى لهيب رغبة اخرى .. يسلمه مطمع الى مطمع وهو فى ضرام من هذه الرغبات لا ينتهى .
وهناك قلة قليلة تكتشف زيف هذه الحياة وتصحو على ادراك واضح بان هذا اللون من الحياة عبودية لا حرية , وانها كانت حياه اشبه بالسخرة و الاشغال الشاقة خضوعا لغرائز همجية لا تشبع و اطماع لا مضمون لها ولا معنى ولا قيمة .. كلها الى زوال ..
فتبدأ هذه القلة القليلة فى اسكات هذا الصوت وفى تكبيل هذه النفس الهائجة وقد اكتشفت انها حجاب على الرؤية وتشويش على الفهم , وهكذا ترتفع هذه القلة القليلة فى الرتبة لتعيش بمنطق آاخر .. هو ان تعطى لا ان تاخذ .. وتحب لا ان تكره .. وتصبح هموم هذه القلة القليله هى ادراك الحقيقة .
وعلى هذه القلة تنزل سكينة القلب فيتذكر الواحد منهم ماضيه حينما كان عبدا لسعار نفسه وكأنه خارج من جحيم , ومثل هؤلاء يموتون وقد انعتقوا من وهم النفس و الجسد وبلغوا خلاصهم الروحى و أيقنوا حقيقة ذواتهم كأرواح كانت تبتلى فى تجربة !
وما اشبه الجسد – فى الرتبة – بالتراب , والنفس بالنار و الروح بالنور وهى مجرد الفاظ للتقريب ولكنها تكشف لنا حكاية الرتب هى هكاية حقيقيه .. وان كل من يموت على رتبه يبعث عليها وان هذا هو عين العدل وليس تجبرا ..
وقد يكون العذاب فوق الوصف اذا تجردت النفوس من اجسادها الترابيه ولم يبق منها الا سعار خالص و جوع بحت واضطرام مطلق برغبات لا ترتوى ثم عدوان بين نفوس شرسه لا هدنه بينها ولا سلام و لا مصالحة الى الابد .. على عكس ارواح تتعايش فى محبة و تتأمل الحق فى عالم ملكوتى .
أكاد اجزم بان الفاظ القرآن الكريم بما فيها من جلجلة وصلصلة حينما تصف الجحيم انما هى نذير حقيقى بعذاب فوق التصور سوف نعذبه لأنفسنا بأنفسنا عدلا وصدقا على رتبة استحقها كل منا بعمله .. واكاد اضع يدى على الحقيقة .. لا ريب فيها .

تعالى الله على ان يعذبنا شهوة فى عذاب .. وهو الحق العدل الحكم .
وفى اخبار داود أن الله قال له:
يا داود، أبلغ أهل أرضي، أنّي حبيب من أحبّني، وجليس من جالسني، ومونس لمن أنس بذكري، وصاحب لمن صاحبني، ومختار لمن اختارني، ومطيع لمن أطاعني، ما أحبّني أحد أعلم ذلك يقيناً من قلبه إلّا قبلته لنفسي، وأحببته حبّاً لا يتقدّمه أحد من خلقي. من طلبني بالحقّ وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فارفضوا يا أهل الأرض، ما أنتم عليه من غرورها، وهلمّوا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي، وآنسوني أؤنسكم، وأسارع إلى محبّتكم.
هذا الاقتباس من كتاب
القرآن محاولة لفهم العصر / دكتور مصطفى محمود
#تعقيبا على النص
يتحدث النص عن رحلة الإنسان بين الجسد والنفس والروح، وكيف يمكن للشهوات والمطامع أن تجعل الإنسان أسيرًا لرغباته؛ فينحصر اهتمامه في الطعام والمال والشهرة والقوة والسيطرة، ويظل ينتقل من رغبة إلى أخرى دون أن يصل إلى الشبع أو السكينة.
ويرى الكاتب أن معظم الناس يعيشون في هذه الدائرة، فيصبح العقل مجرد وسيلة لتحقيق الرغبات والمصالح، بينما يظل الإنسان في صراع مستمر مع الآخرين ومع نفسه.
لكن هناك فئة قليلة، بحسب النص، تكتشف زيف هذا الطريق، وتدرك أن الشهوات والمطامع مهما تحققت فإنها زائلة، فتبدأ في تهذيب النفس والتحرر من سيطرة الرغبات، وتتحول اهتماماتها من «الأخذ» إلى «العطاء»، ومن التنافس على متاع الدنيا إلى البحث عن الحقيقة والمعنى.
ثم ينتقل النص إلى فكرة مراتب النفس والوجود بعد الموت، ويرى أن الإنسان يموت على الحال التي وصل إليها، وأن الجزاء ليس ظلمًا أو تعذيبًا اعتباطيًا، بل نتيجة طبيعية لما صنعته النفس واختارته من سلوك وصفات.
ويختتم النص بالتأكيد على عدل الله وتنزهه عن الظلم، وأن الإنسان هو الذي يختار الطريق الذي يسلكه، مستشهدًا بمعنى أن من يطلب الله بصدق يجده، ومن يختار غيره ينصرف عنه.
الخلاصة في جملة واحدة:
الإنسان قد يعيش عبدًا لشهواته ومطامعه، أو يتحرر منها بتهذيب نفسه والبحث عن الحقيقة؛ وما يصل إليه في النهاية هو ثمرة لما اختاره وصنعه في حياته.




لا يوجد تعليقات حاليا . كن اول من يعلق